السيد محمدحسين الطباطبائي

39

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

والعقل ، وهي التي نسمّيها بالعلوم الاعتبارية ، كإذعانه أنّه يجب أن يفعل كذا أو يترك كذا ، وأنّ هذا حسن وذاك قبيح ، فهذه علوم يوسّطها الإنسان بينه وبين ما يقصده ممّا يعتقده كمالا ، وسيجيء استيفاء بيانه فيما سيجيء إن شاء اللّه . ومن أصول هذه العلوم : ما يتنبّه له - في بدء عثوره على هذه العلوم - من لزوم استخدام الغير فيما لا يناله الإنسان بنفسه ، ويشبه أن يكون إنّما تنبّه له عند أوائل استعمال الأعضاء والأدوات البدنيّة ، فيستخدم الأمور الطبيعيّة من الجماد والنبات وسائر أصناف الحيوان في سبيل حوائجه ، حتّى الأفراد الاخر من نوعه . لكن سائر أفراد نوعه حيث كانوا أمثالا له مريدين لما يريده ، أنتج قضيّة الاستخدام معهم الاجتماع والتعاون إنتاجا ضروريّا ، ووقع الاصطلاح على ذلك قهرا ، وإن لم يخل النظام الذي بين النوع - وهو نظام الاجتماع والتعاون بعينه - عن الاستخدام دائما ، وهذا هو الذي يقال : إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع . وهذا وإن صحّ بوجه ، لكنّه ليس بصحيح مطلقا ، بمعنى اقتضاء الفطرة ذلك اقتضاءا أوّليّا ؛ ولو كانت الفطرة الإنسانيّة تلجئه على الاجتماع والتعاون - وبالأخرة على العدل ؛ ووضع كلّ شيء موضعه - كانت السيطرة للعدل على الجور ، والغلبة والظهور للصلاح الاجتماعي على فساده في وعاء النظام الدنيويّ ؛ والتاريخ والمشاهدة في السابق واللاحق يشهدان على خلافه ، وقد قال سبحانه في الإنسان : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » وقال : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * . . . وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . « 2 »

--> ( 1 ) . الأحزاب ( 33 ) : 72 . ( 2 ) . العاديات ( 100 ) : 6 و 8 .